تونس ــ ظاهرة “العروشية”: من يقف وراءها؟ وما الهدف منها؟ ولماذا تتركز في بعض الجهات دون الاخرى؟

بالامس في سبيطلة وقبلها في المتلوي وقبلها في المظيلة والسند… الحديث عن فتنة العروشية اليوم في تونس كالحديث عن الصواعق في سماء ملبدة بالسحب الرعدية
لا يمكننا استشراف مكانها ولا زمانها ولا نتائجها بدقة ولكننا نستطيع التنبؤ بحدوثها وبمخاطرها. فما هي العروشية ومن يحرك فتنتها وما هي غايته من ذلك ولماذا تركزت حتى الآن في الوسط الغربي والجنوب الغربي دون بقية الجهات؟



تونس ــ ظاهرة “العروشية”: من يقف وراءها؟ وما الهدف منها؟ ولماذا تتركز في بعض الجهات دون الاخرى؟

 

بالامس في سبيطلة وقبلها في المتلوي وقبلها في المظيلة والسند… الحديث عن فتنة العروشية اليوم في تونس كالحديث عن الصواعق في سماء ملبدة بالسحب الرعدية
لا يمكننا استشراف مكانها ولا زمانها ولا نتائجها بدقة ولكننا نستطيع التنبؤ بحدوثها وبمخاطرها. فما هي العروشية ومن يحرك فتنتها وما هي غايته من ذلك ولماذا تركزت حتى الآن في الوسط الغربي والجنوب الغربي دون بقية الجهات؟
"العروشية" لفظة تونسية عامية تعني القبلية. وقد كان المجتمع التونسي مجتمعا قبليا كأغلب المجتعات العربية لكن بورقيبة أحس بخطورتها فسعى إلى محاربتها والقضاء عليها عبر خلطها وتشتيتها جهويا (توزيع القبيلة الواحدة على ولاية أو أكثر) وتشجيع المصاهرة بين القبائل أو العروش بالإضافة إلى سن القوانين التي تعاقب كل من يدعو إلى القبلية.

ولم تختلف سياسة بورقيبة في هذا المجال عن سياسة خلفه بن علي لكن السياستين اللتين حجّمتا نفوذ القبيلة سقطتا في مشكلة الجهوية بسبب التوزيع غير العادل للثروات وفرص الشغل والعيش الكريم, وبهذا لم يعد هناك حديث مهم عن "الفراشيش" و"جلاص" و"الهمامة" و"اولاد سعيد" و"أولاد عيار" و"المرازيق" و"المثاليث"… بل أصبح التقسيم جهويا (السواحلية والجريدية والقراوة والقفاصة والكا جي بي نسبة إلى الشمال الغربي).

والظاهر أن نار القبلية أو العروشية لم تنطفئ بل خمد بريقها طيلة عقود تحت كومة من الرماد وظلت تنتظر من ينفضه عنها. فمن له مصلحة في ذلك؟

التجمعيون في المقام الأول
من المعلوم أن نسبة كبيرة من التونسيين كانت تستفيد ماديا وأدبيا من نظام بن علي وقد خسرت مصالحها ومنافعها وغنائمها بزواله والأهم من هذا أن بعضها كان فوق القانون ويعلم أن إمكانية مساءلته وتتبعه عدليا واردة في أي حين ولهذا من صالحه أن يبث الفوضى ويمنع استتباب الأمن لسببين مهمين على الأقل أولهما تعطيل وتأخير موعد مساءلته لأن الجهود الأمنية والقضائية تتوجه بالضرورة نحو ملفات العروشية (استنزاف الجهود والوقت والمال في إعادة الأمن وتتبع المورطين في هذه الأحداث) وثانيهما تهيئة الظروف المناسبة لعودة النظام السابق.

لا شك أن للتجمعيين منفعة كبرى في هذا المجال لكننا لا نراهم بفردهم لأن سقوط نظام بن علي أضر أيضا بفئات أخرى غير تجمعية مثل بعض السياسيين وبعض رجال الأمن.

كما اننا لا نستبعد وجود أياد خارجية تحرك فتنة العروشية قصد اجهاض التجربة الديموقراطية المنتظرة في تونس. بقي أن نسأل عن سبب اختيار ملف العروشية دون غيره (الجهوية مثلا)

تجارب عديدة
لو نظرنا بتمعن الى ما حدث في تونس منذ اندلاع الثورة لاكتشفنا ان فتنة العروشية لم تكن الوسيلة الوحيدة لبث الفوضى فالامر انطلق بالقناصة وعقبته محاولة ترهيب المواطنين في انفسهم وأمملاكهم لكن "ابتكار" ما يعرف بلجان حماية الحي أحبط هذه المحاولة.

ثم جاءت طريقة بث الفوضى في السجون لتفريغها من المساجين والسماح لهم بإرهاب المواطنين.

وكان أعداء الثورة جربوا بث العنف في الملاعب على طريقة "أبو جلابية" المصري. لكن الحكام أفشلوها عندما أصرّوا على عدم التحكيم إلا في غياب الجمهور. ولهذا تم اللجوء إلى أسلوب آخر وهو بث الفتنة بين الجماهير الرياضية ولو في غيابها عن الملاعب وكادت هذه المحاولة تنجح في قابس وجرجيس وباجة وعدة مدن أخرى لكن قرار إلغاء النزول أخمدها.

وبالإضافة إلى هذا كله تمت تجربة فتنة "الجهوية" وخاصة محاولة بث العداوة والبغضاء بين ال"سواحلية" من جهة والمناطق الداخلية من أخرى.

لكن تحلي أغلب التونسيين بالحكمة أفشل هذه المحاولة كسابقاتها.ولكن ما سبب التركيز على جهات قفصة والقصرين أكثر من غيرهما في بث فتنة العروشية؟.

لكل جهة خصوصياتها
تعتبر الجهات الداخلية وخاصة منها الوسط الغربي والجنوب الغربي بيئة خصبة لنجاح هذا النوع من الفتن.

ففي هذه الجهات لا تزال العروشية قائمة على خلاف الجهات الساحلية حيث أدى النزوح إلى جمع الهمامي بالجلاصي والسعيدي والوريمي في جميع الأحياء السكنية حتى صارت رابطة الجوار ورابطة "أبناء الحي" أقوى من الإنتماء القبلي
كما أن معاناة المواطنين في الجهات الداخلية من البطالة وشظف العيش والتهميش تجعلهم مستعدين للدفاع عن "العرش" وهم مقتنعون بأنهم لن يخسروا شيئا.

وبالإضافة إلى هذا كرّس النظامان السابقان هيمنة عرش معين على بقية العروش في الجهات الداخلية وذلك من حيث المناصب الحزبية وفرص العمل ــ على بساطتها ــ وهذا ما استغله هواة الفتنة على أكمل وجه في عدد من الجهات.

آخر الأخبار تشير إلى أن العرشين اللذين تناحرا قيل أيام في سبيطلة تجاوزا البغضاء وتصالحا وهو أمر مثلج للصدر, لكن الأهم من هذا أن يعي بقية المواطنين خطورة فتنة العروشية حتى يتفادوا سقوطهم فيها.

 

عادل العبيدي

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.