كيف كان الحزب(الدستوري) مسيطرا على الدولة ؟

لم يمض من عمر انتصار الثورة التونسية إلا 15 يوما ورغم ذلك يستغرب العديدون من اكتشاف جيوب مقاومة مختلفة الأشكال تقوم بها فلول النظام القديم في مواقع مختلفة .وينسى هؤلاء أن نظام بن علي كخير خلف لنظام بورقيبة قد ترعرع واستبد بآلة واحدة ووحيدة هي آلة الحزب الدستوري وذلك قبل الأمن وقبل أي جهاز آخر…



كيف كان الحزب(الدستوري) مسيطرا على الدولة ؟

 

لم يمض من عمر انتصار الثورة التونسية إلا 15 يوما ورغم ذلك يستغرب العديدون من اكتشاف جيوب مقاومة مختلفة الأشكال تقوم بها فلول النظام القديم في مواقع مختلفة .وينسى هؤلاء أن نظام بن علي كخير خلف لنظام بورقيبة قد ترعرع واستبد بآلة واحدة ووحيدة هي آلة الحزب الدستوري وذلك قبل الأمن وقبل أي جهاز آخر…

 

كانت السيطرة تبتدئ أولا من التقسيم الترابي للبلاد ومن أصغر حلقات التقسيم وهي العمادات , التي وإن لم تكن تعني أشياء كثيرة لسكان المدن الذين لا تعامل لهم مباشرة مع العمد , فإنها كانت تعني الكثير والكثير لكل المتساكنين في الأرياف.ولا ننسى أولا أن العمد يقع اختيارهم من قبل الجهاز الحزبي المحلي على مستوى المعتمديات والجامعات الدستورية
فالعمدة في الريف هو "الحاكم" إذ أنه يسلم شهادات الفقر للعائلات المعوزة و يقرر من من الأسر يمكن لأبنائها التمتع بالمنح الجامعية وبدفتر المعالجة المجانية ومن يمكن له التمتع بالإعانات العينية للاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي كما أنه صاحب الرأي الأول في كل التحقيقات السرية والعلنية التي تقوم بها السلطة سواء شملت أنصار النظام أو أعدائه…ورغم أهمية هذه المهمات إلا إن العمد لم يكونوا يقبضون رواتب جيدة وبالتالي فإنهم انخرطوا أيضا مثل سلك الأمن في عمليات الفساد والرشوة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا…

أما المرجع المباشر للسلطة المحلية فوق العمد فهو سلك المعتمدين ويقع اختيار هؤلاء الموظفين من قبل أجهزة الحزب الحاكم وهم في الأغلبية المطلقة مناضلون برزوا إما عبر الولاءات التقليدية لبارونات الحزب الحاكم المحلية في اللجنة المركزية أو في غيرها من مستويات القيادة أو من صغار القياديين في المنظمات هذا أن لم يكونوا من سلك الأمن أصلا,
وفي الواقع فإن معتمد الجهة الذي يكون معين إداريا وعادة ليس من نفس الجهة , وهو المسؤول الإداري الأول في المنطقة, غالبا ما يكون مقتسما لمهامه مع  زميله في المستوى الحزبي وهو الكاتب العام للجامعة الدستورية الذي هو من أبناء الجهة وهو الذي يعرف كل شيء عنها وعن أهلها.

وينسحب نفس التقسيم على الولاة الذين لا يتحركون أية حركة مهما كانت رمزيتها إلا وهم محاطون أولا بالكاتب العام للجنة التنسيق وثانيا بالإطارات الحزبية (التجمعية) النافذة في المنطقة.ومثلما أن الوالي مطالب برفع تقارير عن نشاطاته واتصالاته وكل أفعاله إلى رؤسائه في الداخلية  فإنه يعرف أيضا أن تقارير مماثلة سوف تكتب عنه وتحول عن طريق التجمع إلى من يهمه الأمر.

ولا يقتصر دور الحزب على مستوى الإطارات المحلية والجهوية ولكنه يتعداه إلى مستويات أخرى أهم وأكبر . فالحزب ونسجا على المثال الستاليني المعروف قد استطاع السيطرة على كل المنظمات المهنية والوطنية الكبرى ولم يسلم منه إلا إتحاد الشغل نظرا لخصوصية التاريخ النقابي في البلاد. فمنظمات الأعراف والفلاحين والنساء والكشافة والشبيبة المدرسية والمهندسين وغيرها كثير كانت تابعة للحزب كليا  ومؤتمرة بأمر الجهاز الحزبي بصفة اوتوماتيكية كلما دعت الضرورة لذلك .

ولا ننسى أن الحزب الحاكم كان مسيطرا من جهة أخرى على الإدارة العمومية لأنه كان مسيطرا على هرمها عبر الوزراء والمديرين العامين الكبار في كل الوزارات.

هذه الشبكة الكثيفة هي التي لا تزال تقود البلاد حاليا وسوف تواصل لأن لا أحد يستطيع اليوم ادعاء تغيير كل هؤلاء المذكورين بين عشية وضحاها. ومن هنا فأن الدور الكبير يعود إلى كل أحرار البلاد للوقوف بالمرصاد لكل محاولات العرقلة التي قد تأخذ أشكالا لا يتصورها أي أحد.

علي العيدي بن منصور

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.