تونس – لا رقابة انتخابية بدون تدريب

طغت على الساحة السياسية ما بعد 14 جانفي، نزعات متباينة الطروحات و الميولات السياسية و الفكرية، من أقصى اليسار إلى أكثر التيارات الدينية السلفية محافظة و أفكارا، و ما بينهما تجمعت أحزاب أشبه ما تكون بسفينة نوح “تجمع من هب و دب”، فلا يكاد المهتم …



تونس – لا رقابة انتخابية بدون تدريب

 

طغت على الساحة السياسية ما بعد 14 جانفي، نزعات متباينة الطروحات و الميولات السياسية و الفكرية، من أقصى اليسار إلى أكثر التيارات الدينية السلفية محافظة و أفكارا، و ما بينهما تجمعت أحزاب أشبه ما تكون بسفينة نوح "تجمع من هب و دب"، فلا يكاد المهتم منّا بالشأن السياسي أن يتبين الفروق بينها، فما بالك بابن الشعب الكريم الذي تطحنه الوقائع اليومية للحياة المعيشة. في هذا الخضم كانت هناك أصوات بعضها بائن و أغلبها خاف، تتمسك بضرورة إنجاح المسار الانتقالي، و تعمل على تحديد ضوابط مادية و علمية دقيقة. صحيح أن الديمقراطية و الانتخابات و النزاهة و الحيادية مقولات مجردة، يتطلب تكريسها- حسب السائد في تصورات الناس- تحولا عميقا في البُنى الذهنية و الفكرية و السلوكية للمواطن التونسي الذي لم يكن يعرفها في غير نشرات الأنباء. و لكنها هي أيضا مقاييس و معايير دولية. مقاييس أجمعت عليها منظمات عالمية و لجان رقابية للانتخابات و مدربون مختصون، جميعهم شاركوا، في تجارب عديدة للانتقال الديمقراطي عند شعوب كثيرة سبقتنا، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا .

 في هذا الإطار يتنزل عمل المؤسسة العربية للديمقراطية (التي يتولى السيد محسن مرزوق أمانتها العامة). و لقد عملت هذه المنظمة منذ مدة على القيام بدور الميسر بين الفرقاء في الساحة السياسية التونسية،  و قد نشطت هذه المؤسسة كثيرا و أقامت الندوات في شمال المدن و جنوبه، في مدنه و أريافه، للتأكيد على هشاشة الانتقال الديمقراطي إن لم يخضع لصوت العقل، و إن لم تُراعى فيه المعايير الوطنية لحفظ كيان الدولة من جهة و المعايير الدولية المرتبطة بكونية حقوق الإنسان. و لعل أبرز أعمال هذه المنظمة، هو تكوينها مؤخرا، و لأول مرة في تونس، لنخبة من المدربين الأكفاء في مجال التدريب على مراقبة الانتخابات، ضمانا لنزاهتها و حريتها .

"الشعب يريد مجلس تأسيسي" شعار تمسك به الشعب التونسي، أو اغلب أطيافه، اختيار صعب، و لا مجال لتحقيقه بغير انتخابات شفافة و نزيهة و حرة. كيف؟؟ برقابة تستجيب للمعايير الدولية. كيف؟؟ برقابة دقيقة، تقطع كل إمكانية للتلاعب بصوت الناخب و إرادة الشعب. ما هي ضمانات ذلك؟؟ رقيب نزيه و محايد و مطلع على خصائص الانتخابات و الخروقات و الانتهاكات و الإجراءات المتبعة. و كيف نحصُل على هذا المراقب الجيد؟؟؟ بالتدريب الجيد و العميق.

و من هنا كونت المؤسسة العربية للديمقراطية مجموعة من المدربين، المنتمين إلى المجتمع المدني من منظمات و جمعيات و أحزاب و دفعت بهم إلى الساحة السياسية، ليُسهموا في تكوين المراقبين. فماعلى كل الأحزاب الراغبة في تدريب مراقبيها و مندوبيها و ملاحظيها، و على كل قوى المجتمع المدني الراغبة في مراقبة الانتخابات إلا أن تتصل بهؤلاء المدربين .

إن الرغبة في مراقبة الانتخابات، و في إجراء انتخابات نزيهة، لن تتحقق بمجرد النوايا، و لذلك فان ضمانة ذلك هو المراقبة الجيدة التي لن تتحقق بغير تدريب جيد .

المهدي عبد الجواد أستاذ و باحث جامعي

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.