“الاحتراق هو الخطر الأكبر”: بين المقاربة القانونية وحق الاختيار.. كيف يغير “تبسيط المعلومة” استراتيجيات مكافحة التدخين؟

أكد ثلة من الخبراء والاعلاميين خلال مشاركتهم في فعاليات مؤتمر “Technovation Smoke-Free” الذي نظمته مؤسسة “فيليب موريس إنترناشيونال” (PMI) المنعقد بالعاصمة المغربية الرباط، أن المقاربات التقليدية للتعامل مع آفة التدخين لم تعد كافية، مشيرين إلى وجود فجوة تواصلية وإعلامية حقيقية تحرم ملايين المدخنين من الوصول إلى إجابات ومعلومات علمية دقيقة حول طبيعة الأخطار التي يواجهونها والبدائل المتاحة أمامهم من أجل اتخاذ خيارات صحية واعية، ودعم الاستراتيجيات الوطنية الرامية إلى تقليص مخاطر التدخين وتجويد مؤشرات الصحة العامة على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، أكد الإعلامي المغربي سميد غيلان، على الأهمية البالغة لتغيير المقاربة الكلاسيكية في التعاطي مع آفة التدخين؛ داعياً إلى الانتقال من التركيز الحصري على الترسانة القانونية والزجرية إلى وضع المستهلك في صلب الاهتمام، ومسائلاً مدى توفر بيئة إعلامية واضحة وموثوقة تحمي المواطن من الشائعات والتضليل.

​ومن جانبه، اعتبر سعد بن منصور، مدير النشر والتحرير بيومية “أوجوردوي لوماروك”، أن الحديث عن التدخين في المجتمع المغربي لا يزال محاطاً بنوع من “التابو” الاجتماعي. واستحضر بن منصور تجربته الشخصية كمدخن سابق انتقل إلى تقنية “التبغ المسخن”، مستنكراً غياب الشاشات التوعوية المستمرة التي واكبت جيله، حيث كان الاستهلاك يتم في غياب تام للمعلومة المبسطة، لاسيما مع انتشار ظاهرة شراء السجائر بالتقسيط التي تحرم الشباب من قراءة التحذيرات الصحية المكتوبة على العلب.

​وأضاف بن منصور أن نقطة التحول في مساره المهني والمعرفي تجسدت عام 2016 إثر زيارته لمركز أبحاث دولي بسويسرا، حيث وقف على أبحاث علمية دقيقة يقودها مهندسون وبيولوجيون لتطوير تقنيات الإرذاذ والتبغ المسخن. وأوضح أن المشكلة الحقيقية والدامغة التي لا يعرفها الكثيرون ليست في النيكوتين بحد ذاته، بل في “عملية الاحتراق” التي تولد المواد السامة؛ مشدداً على أن دور الصحافة لا يكمن في الإثارة أو توجيه الرأي العام، بل في “تبسيط العلوم” وتقديم حقائق مجردة تدفع المستهلك لاتخاذ قرار مسؤول.

وفي المقابل، عوادي مديح، رئيس الجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك بالمغرب، على الجانب القانوني والحقوقي، مؤكداً أن “الحق في المعلومة” هو الحجر الأساس الذي ينبثق منه “الحق في الاختيار الحر”.

وأشار مديح إلى أن المغرب شهد تطوراً تشريعياً مهماً منذ شهر فيفري الماضي بدخول معايير ومواصفات تقنية جديدة تؤطر جودة وصناعة المنتجات البديلة حيز التنفيذ.

​ودعا رئيس فيدرالية المستهلك إلى ضرورة إخراج هذه المعطيات العلمية والقانونية من قاعات المؤتمرات المغلقة لتصل إلى عموم المواطنين عبر قنوات جمعيات حماية المستهلك، والمجتمع المدني، والوسائط الرقمية، وذلك لمحاربة الأخبار الزائفة وتمكين المستهلك من تمييز المنتجات الخاضعة للمراقبة وتفادي السقوط في فخ مواد التهريب والتقليد مجهولة المصدر التي تشكل الخطر الأكبر على الصحة.

​من منظور السياسات العمومية الدولية، أكد مازن صالح، المدير الرئيسي للسياسات العامة بمركز الأبحاث الأمريكي “R Street”، أن الفلسفة الحقيقية لمبدأ “تقليص المخاطر” تنبثق من التعامل مع سلوك الأفراد كواقع ملموس وليس كما نتمناه بطريقة مثالية. وأوضح صالح أن الإقلاع عن التدخين ليس مساراً خطياً سهلاً، وأن توفير بدائل أقل ضرراً (كأكياس النيكوتين، العلكة البديلة، والتبغ المسخن) بأسعار معقولة ومعلومات علمية دقيقة يعد واجباً على صُنّاع القرار لدعم المدخنين غير المستعدين للإقلاع النهائي لأسباب نفسية أو ثقافية.

​وحذر الخبير من مغبة تبني سياسات “المنع المطلق” أو الحظر الشامل للمنتجات البديلة، مستشهداً بالنموذج الأمريكي حيث أدى حظر بعض السجائر الإلكترونية المنكهة في ولايات معينة إلى انتعاش الأسواق الموازية والتهريب من الولايات المجاورة، مؤكداً أن منع البدائل المقننة لا يلغي الطلب بل يوجه المستهلكين مباشرة نحو سلع غير خاضعة لمعايير السلامة والجودة.

​هذا ودعا الخبراء والاعلاميون الى ضرورة تصنيف السجائر والمنتجات البديلة وتنظيمها قانونياً بناءً على “درجة خطورتها الفعلية” وليس معاملتها بالتساوي، مشددين على ان “توفير المعلومة هو الحل الامثل من أجل اختيار أفضل”.

كما أكدوا على أن وسائل الإعلام اليوم أمام مسؤولية حيوية تتجاوز مجرد الإخبار إلى “أنسنة التوعية والتبسيط”، لمساعدة المواطن على صياغة حكمه الخاص بكل وعي ومسؤولية، مجمعين على أن المقاربة البراغماتية المبنية على العلم هي الكفيلة بالحد من الأضرار الصحية للاستهلاك التقليدي للتبغ.

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.