لم تكن سهرة الفنان مروان الجبالي، المعروف باسمه الفني “نوردو”، مساء الثلاثاء على ركح المسرح الأثري بقرطاج، مجرد حفل غنائي، بل تحولت إلى احتفال جماعي بالحياة، امتزجت فيه الموسيقى بالرقص والصورة، وانصهرت فيه طاقة الفنان بحماس جمهور غصت به المدارج، غالبيته من فئة الشباب، ليصنع معه عرضا فرجويا متكاملا استمر أكثر من ساعتين، ضمن فعاليات الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي.
وعاد نوردو إلى ركح قرطاج بعد أول لقاء جمعه بجمهور هذا المسرح العريق سنة 2023، لكنه اختار هذه المرة أن يقدم تجربة مختلفة، راهن فيها على الفرجة الشاملة، فجمع بين الغناء الحي والعزف الموسيقي والكوريغرافيا والمؤثرات البصرية، في عرض بدا منذ لحظاته الأولى أقرب إلى لوحة متحركة تتغير ملامحها مع كل أغنية.
وفي محاكاة للعروض العالمية الكبرى، دخل الفنان الركح وسط عرض استعراضي صمم بعناية، قبل أن يفرض حضوره بحركة متواصلة وطاقة لافتة لم تعرف السكون. تنقل بخفة بين مختلف فضاءات المسرح، متفاعلا مع الفرقة الموسيقية التي ضمت نخبة من أبرز العازفين في الساحة الفنية التونسية بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، كما شارك الراقصين مختلف اللوحات الكوريغرافية التي تعاقبت طوال السهرة.
ولم يكن الجمهور مجرد متلق للعرض، بل تحول إلى أحد أبطاله. فمنذ الدقائق الأولى، علت الهتافات ورددت المدارج اسم نوردو وكلمات أغانيه، بينما رافقه الآلاف بالغناء والتصفيق والرقص، في مشهد عكس العلاقة الخاصة التي نجح الفنان في بنائها مع جمهوره. وبدا واضحا أن طاقته فوق الركح كانت تنتقل تلقائيا إلى الحاضرين، الذين عاشوا العرض بكل تفاصيله، حتى بدا المسرح بأكمله ينبض بإيقاع واحد جمع الفنان وجمهوره في حالة من الانسجام والتواصل المباشر.
ولعل أبرز ما ميز هذه السهرة أن نوردو لم يكتف بأداء أغانيه، بل حرص على صناعة تجربة وجدانية كاملة، يكون فيها الجمهور شريكا في صناعة الفرجة. فكل أغنية كانت مناسبة لإطلاق موجة جديدة من الحماس، وكل انتقال موسيقي كان يبعث إحساسا متجددا بالحب والطاقة والإقبال على الحياة، وهي الرسائل التي ظلت حاضرة طوال العرض.
وافتتح نوردو السهرة بلوحة راقصة على أنغام أغنيته “عربوش”، التي حققت انتشارا واسعا منذ صدورها سنة 2020، قبل أن ينتقل إلى “تربيت”، التي رافقتها وصلة إيقاعية طويلة أتاحت للعازفين إبراز قدراتهم التقنية، ثم واصل تقديم باقة من أبرز أعماله، من بينها “غريبة” و”أنا والليل” و”لا مام” و”عايش ليلي”.
وشكلت أغنية “يا دنيا” إحدى أبرز محطات السهرة، حيث قدمها الفنان في توزيع موسيقي جديد منحها بعدا أكثر شاعرية، انطلق من عزف الناي الذي قدمه حسين بن ميلود، أحد أبرز عازفي الناي في تونس، والذي سبق أن رافق كبار الفنانين التونسيين والعرب والعالميين في محطات فنية عديدة.
وخلال الجزء الأول من العرض، أعاد نوردو تقديم عدد من أغانيه في توزيعات موسيقية جديدة منحتها أبعادا مختلفة، إذ حضرت الموسيقى الوترية والتوزيعات الأوركسترالية بقوة، فتحولت أعمال ارتبطت في نسخها الأصلية بالإيقاعات الإلكترونية والراب إلى أعمال أكثر ثراء على المستوى الموسيقي. وقد تجلت في هذه التجربة ألحان نوردو في صياغة أوركسترالية قادها يوسف بالهاني، لتقدم للجمهور عشرين أغنية مزجت بين الراب والأفروبوب والإيقاعات الشرقية وأنماط موسيقية أخرى.
وكان الجانب البصري أحد أهم رهانات هذا العرض، من خلال توظيف الشاشات العملاقة والإضاءة واللوحات الكوريغرافية التي تنوعت بين الرقص الجماعي والثنائي والرقص المعاصر والدبكة والهيب هوب، وصولا إلى لوحات مستوحاة من الفلامنكو، في انسجام واضح بين الحركة فوق الركح، ومضامين الأغاني، وحضور الراقصين.
وتواصلت رحلة الأغاني مع “مكتوب”، التي رافقتها رقصة ثنائية معاصرة، ثم “عابر سبيل” في لوحة مستوحاة من الدبكة، قبل أن ينتقل إلى مساحة أكثر هدوءا وتأثيرا من خلال عدد من الأغاني ذات الطابع الوجداني، من بينها “وليدي”، إحدى أغاني مسلسل “الخطيفة” الذي عرض خلال شهر رمضان 2026 للمخرجة سوسن الجمني، التي كانت من بين الحاضرين في هذه السهرة.
ورغم تغير الإيقاعات بين أغنية وأخرى، حافظ نوردو على نسق تصاعدي للعرض، متنقلا باستمرار بين الأداء الغنائي والتفاعل مع الجمهور، ليؤكد حضوره كفنان يعرف كيف يدير إيقاع الركح ويحافظ على شد انتباه جمهوره حتى اللحظات الأخيرة.
واستضاف الفنان خلال الجزء الأول من عرضه الفنان المصري أحمد الزعيم، ليؤديا معا أغنية “يا عراف”، التي شكلت سنة 2023 إحدى المحطات المهمة في انفتاح نوردو على الساحة الفنية العربية، إلى جانب مشاركة الفنان المصري أحمد سعد في هذا العمل.
وانقسم العرض إلى جزأين، اختار في ثانيهما أن يمنح الأولوية لرسائل المحبة والتواصل الإنساني. وفي هذا الإطار، استضاف الفنانة المصرية رحمة محسن، التي شاركته أداء أغنية “سر وجعنا”، وهي الأغنية التي حققت منذ صدورها ملايين المشاهدات على المنصات الرقمية. وكشف نوردو، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت الحفل، أنه سيشارك الفنانة المصرية أداء هذه الأغنية في سهرة فنية بمصر يوم 31 جويلية الجاري.
ولم يقتصر خطاب العرض على الموسيقى، بل حمل أيضا رسالة إنسانية واضحة تدعو إلى المحبة والتآلف بين الناس. وتجسد ذلك خصوصا في أغنية “أنا وياك”، التي رافقتها لوحة استعراضية شارك فيها أطفال وشباب وثنائي من كبار السن، في مشهد احتفى باستمرارية الحب وتواصل الأجيال، مؤكدا أن الموسيقى تظل لغة جامعة تتجاوز العمر والاختلافات.
ومن خلال هذا العرض، الذي أُنتج خصيصا لركح قرطاج، ووفق تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء أكد نوردو حضوره كأحد أبرز الفنانين الشبان الذين يعملون على تطوير الموسيقى الشبابية في تونس، عبر الانفتاح على تجارب موسيقية متنوعة والاستثمار في التوزيع الموسيقي والسينوغرافيا والكوريغرافيا والصورة، مقدما تجربة متكاملة أثبتت أن نجاح الفنان لا يقاس فقط بعدد الأغاني الرائجة، بل أيضا بقدرته على صناعة لحظة فنية حية يذوب فيها الحاجز بين الركح والمدارج، ويتحول فيها الجمهور إلى شريك في صناعة الفرجة.
وانتهت السهرة كما بدأت، بطاقة جماعية عالية وإحساس مشترك بالحيوية والحب والإقبال على الحياة، في عرض أكد أن نوردو أصبح أحد أبرز الأسماء القادرة على خوض رهان الركح الكبير في مهرجان قرطاج الدولي.
المصدر تونس المصدر آخر الأخبار العربية والعالمية والتونسية .
