مهرجان قرطاج الدولي: من الشجن الشرقي الى النوبة التونسية يسرى محنوش تحتفي بتنوع المرجعيات الموسيقية


لم يكن لقاء الفنانة التونسية يسرى محنوش بجمهور المسرح الروماني بقرطاج مساء الثلاثاء مجرد موعد جديد ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كان تجديدا لعلاقة نسجتها مع هذا الركح على امتداد سنوات، وهي تعتليه للمرة السادسة في مسيرتها الفنية. وفي سهرة اختارت أن يكون عنوانها الوفاء للطرب الأصيل والانفتاح على ثراء الموروث الموسيقي التونسي، قادت جمهورها في رحلة تنقلت بين المقامات الشرقية والأغنية التونسية والألوان الغربية، في عرض راهن على قوة الصوت أكثر من رهانه على المؤثرات البصرية.

وقبل أن تطل على الركح، هيأت السينوغرافيا الجمهور لهذه اللحظة من خلال شريط مصور عرض على الشاشة العملاقة، ظهرت فيه يسرى محنوش وهي تستعيد علاقتها الخاصة بمسرح قرطاج، وتحكي عن ذلك الحلم الذي راودها منذ نعومة أظافرها بأن تقف يوما على هذا المسرح العريق، معتبرة أن الغناء في قرطاج ليس مجرد مشاركة في مهرجان، بل تتويج لمسار فني ولقاء مع ذاكرة الفن التونسي والعربي.

ولم تنتظر الفنانة طويلا للدخول في صلب العرض، فافتتحته بأغنية “غنوا معانا” التي مهدت لأجواء احتفالية سرعان ما انتقلت بعدها إلى فضاءات الطرب الخالص مع أغنيتها “بفكر فيك”، قبل أن تعود إلى الأغنية العراقية “ميحانة” التي ارتبطت باسمها منذ سنوات، لتؤكد مجددا أن خامة صوتها لا تزال قادرة على استحضار ذلك الشجن الشرقي العميق الذي ميز بدايات انتشارها عربيا.

ومن العراق إلى المدرسة الكلثومية، أدت “كان لك معايا” و”حب إيه”، قبل أن تتنقل بين أعمالها الخاصة مثل “حواليا ناس” و”آه وآهين” و”اسكت بس”، وأغان خالدة من رصيد الطرب العربي على غرار “يا اهل الهوى” و”أي دمعة حزن لا”، في برنامج حافظ على إيقاع متدرج بين الأداء الهادئ والانفعالات الصوتية العالية التي أبرزت اتساع مساحتها الصوتية وقدرتها على الانتقال السلس بين المقامات.

ولم يقتصر العرض على الطرب العربي، إذ خصصت يسرى محنوش فقرة للأغنية الغربية، فغنت “At Last” لإيتا جيمس بمرافقة البيانو والدرامز والغيتار في توزيع موسيقي بسيط منح صوتها مساحة أكبر للتألق، قبل أن تنتقل إلى “ملكة جمال الكون”، مؤكدة مرة أخرى ميلها إلى كسر الحدود بين الأنماط الموسيقية دون الإخلال بهويتها الفنية.

كما استعادت جانبا من التراث الغنائي العربي من خلال كوكتيل ضم “العذاب يا حبيبي” و”الهوى سلطان”، ثم واصلت استعراض إنتاجها الخاص بأغان مثل “يا روحي ويا دادا” و”خديجة” و”اعمل فيا الوقت عطاك” و”أحيت يا قلبي” و”زينوبة”، وهي أعمال وجدت صداها لدى الجمهور الذي ردد كثيرا من مقاطعها.

وكان التراث التونسي أحد أبرز محطات السهرة، إذ اختارت الفنانة أن تختم العرض باحتفاء واضح بالمخزون الموسيقي الشعبي، من خلال “النوبة التونسية” التي جمعت بين “يا الشاذلي”، و”يا فارس بغداد”، و”راكب عالحمراء”، و”رايس البحار”، و”أنا بحري”، و”بابا الشريف علاجي”، وصولا إلى “آه يا بابا يا بابا”، قبل أن تواصل الرحلة مع “النوبة البنزرتية”، في فقرة حملت الكثير من الإيقاعات المحلية والطبوع التونسية، وأبرزت حرصها على وصل الأغنية المعاصرة بجذورها التراثية.

ولم يكن هذا التنوع مجرد استعراض لبرنامج غنائي طويل، بل عكس رؤية فنية تقوم على التنقل بين مدارس موسيقية مختلفة دون افتعال، مستندة إلى صوت يتميز بالمرونة والاقتدار التقني، مكنها من أداء الطرب الكلاسيكي، والأغنية التونسية، والأغنية الغربية، والتراث الشعبي، في عرض حافظ على خيط فني واحد عنوانه الاحتفاء بالصوت.

وبهذه السهرة، دوّنت يسرى محنوش حضورها السادس على ركح مهرجان قرطاج الدولي، في دورة احتفلت بمرور ستين عاما على تأسيس المهرجان، لتجعل من هذا الموعد تحقيقا لحلم شخصي ظل يرافقها منذ الصغر، وتحول، إلى حقيقة على أحد أعرق المسارح العربية.

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.