حركة النهضة ترتد عن التزاماتها وتستهدف حقوق النساء

رفض يوم الأربعاء الماضي نواب “حركة النهضة” بـ”لجنة الحقوق والحريات” بالمجلس الوطني التأسيسي التصويت على مقترح فصل دستوري

حركة النهضة ترتد عن التزاماتها وتستهدف حقوق النساء

 
 

رفض يوم الأربعاء الماضي نواب "حركة النهضة" بـ"لجنة الحقوق والحريات" بالمجلس الوطني التأسيسي التصويت على مقترح فصل دستوري (الفصل 28) يتعلق بحقوق المرأة هذا نصه:

 

"تضمن الدولة حقوق المرأة ومكتسباتها في جميع الميادين ولا يمكن سن قوانين تنتفض منها بأي حال من الأحوال. وتعمل الدولة على القضاء على كل أشكال التمييز والعنف المادي والمعنوي ضد المرأة".

 

وبالمقابل، تقدّم أولئك النواب بمقترح آخر ومرّروه بأغلبية 12 صوتا (9 للنهضة و1 لحزب المؤتمر و1 للحزب الثقافي الوحدوي) مقابل 8 أصوات كان أصحابها من مؤيّدي المقترح الأول. وينص المقترح الثاني على ما يلي:

 

"تضمن الدولة حماية حقوق المرأة ودعم مكاسبها باعتبارها شريكا حقيقيا للرجل في بناء الوطن ويتكامل دورهما داخل الأسرة. تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمل في مختلف المسؤوليات. تضمن الدولة القضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة".

 

إن الفرق واضح بين المقترحين. فإذا كان المقترح الأول، الذي رفض، يلزم الدولة حتى وإن لم يذكر مبدأ المساواة بشكل صريح بحماية حقوق المرأة ومكتسباتها في جميع الميادين، وبالعمل على القضاء على أشكال التمييز والعنف المادي والمعنوي ضد المرأة، فإن المقترح الثاني الذي أقرّته اللجنة ينطوي على مواطن لبس وغموض تمثل منفذا في المستقبل، لضرب تلك الحقوق والمكتسبات.

 

لقد تجنب مقترح "النهضة" الحديث عن الحقوق والمكتسبات "في جميع الميادين"، واستعاض عن مبدإ المساواة في العائلة بعبارة "تكامل الأدوار داخل الأسرة". كما أنه رفض التنصيص على التزام الدولة بعدم سن قوانين تنتقص من حقوق المرأة وبالعمل على القضاء على كل أشكال التمييز ضدها. وحتى بالنسبة إلى العنف فإن البند المصادق عليه تلافى الإشارة بشكل واضح إلى الجانب المعنوي منه. وكل هذا يعني أن مكتسبات المرأة وحقوقها لن تسلم من الانتهاك في ظل حكم "النهضة" التي لا يزال الفكر "الإخواني" الاستبدادي راسخا في عقول كوادرها الذين يحاولون اليوم رسم مستقبل تونس بعد أن مكنتهم انتخابات 23 أكتوبر الماضي الماضي من أغلبية في "التأسيسي".

 

ارتداد عن أهداف الثورة

 

إن موقف "حركة النهضة" هذا يمثل ارتدادا عن أهداف الثورة التي شكلت المساواة بندا من بنودها الأساسية. وقد شاركت النساء من مختلف الفئات الاجتماعية (عاملات، ربات بيوت، محاميات، معطلات عن العمل، موظفات، مبدعات ومثقفات، نقابيات…) في هذه الثورة ذات الطابع الديمقراطي وسقطت منهن شهيدات مع العلم أنه يوم سقوط بن علي لم ير الناس الكثير من نصيرات وأنصار "النهضة" أمام وزارة الداخلية ولا سمعوا تصريحات من رموزها في الداخل ضد الاستبداد ويحرضون عليه.

 

ولم تأت مشاركة التونسيات في الثورة من فراغ فتاريخهن حافل بالنضال في مختلف مراحل تطور بلادنا وقد قاومن الديكتاتورية في مختلف الواجهات السياسية والنقابية والحقوقية والثقافية والشبابية وعذّبن وسجنّ وهجّرن وأطردن من العمل. ولم يكن الهدف من نضالهن العودة إلى الوراء، وإلى تعدد الزوجات والتحجب والبقاء في البيت، إلخ. بل نيل حقوقهن بالكامل والقضاء على كافة مظاهر التمييز ضدهن في العائلة والمجتمع. فقد قطعن خطوات على طريق تحرّرهن وهن يرفضن التفريط في هذه الخطوات بل يردن أيضا دعمها بخطوات جديدة تخرجهن نهائيا من وضعهن الدوني.

 

ولا بدّ من التذكير هنا بأن نضال التونسيات من أجل حقوقهن رافقه في مختلف المراحل جهد إصلاحي كبير بذله أعلام تونسيون رأوا في إصلاح أوضاع المرأة والعائلة شرطا ضروريا لإصلاح المجتمع والبلاد ككل. ويأتي خريج جامع الزيتونة، الطاهر الحداد، على رأس أولئك الأعلام.

 

لذلك فإن "حركة النهضة" بسلوكها في المجلس التأسيسي إنما تضع نفسها وجها لوجه مع جماهير النساء أولا وقطاعات واسعة من الشعب ثانيا باعتبارها تعمل على الالتفاف على الثورة وعلى مكتسبات المجتمع التونسي وعلى إرث الحركات الإصلاحية. في بلادنا لخدمة مصالح أقليات رجعية محلية وأجنبية معادية للحرية والتقدم.

 

ارتداد عن اتفاقات "18 أكتوبر"

 

إن حركة النهضة ترتدّ أيضا بموقفها الحالي عمّا كانت التزمت به منذ سنوات صلب "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" والتي تكوّنت على إثر إضراب جوع أكتوبر 2005. وقد كانت هذه "الهيئة" أصدرت عام 2007 بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (8 مارس) إعلانا حول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين وقعه من جانب "حركة النهضة"، بعد مصادقة قياداتها في المهجر والداخل عليه، كل من علي العريض، وزير الداخلية الحالي، وزياد الدولاتلي، الذي يشغل حاليا منصبا قياديا بالحركة وعضوا بالمجلس التأسيسي.

 

لقد تبنت هذه المساواة مبدأ وحيدا تعالج من زاويته العلاقة بين المرأة والرجل داخل العائلة والمجتمع وشددت على ضرورة التزام كل الأطراف الموقعة بالحفاظ على مكاسب المرأة التونسية في مختلف الميادين و"الدفاع عنها في وجه كل تهديد" والعمل على تطويرها "حتى تتحقق المساواة الكاملة بين الجنسين نصا وممارسة وينتفي كل تمييز بين المواطنين على أساس الجنس". ولم تتوقف الوثيقة عند هذا الحد بل إنها وضعت على رأس مطالب "هيئة 18 أكتوبر" النضال من أجل دسترة المساواة بين الجنسين:

 

التنصيص على مبدأ المساواة بين الجنسين بصفة صريحة في الدستور وفي مختلف القوانين التونسية وتخليصها من كل لبس وتنقيح أو إلغاء كل القوانين التي تتضمن أي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة بما يحقق مساواتها الكاملة مع الرجل ويفتح في وجهها أوسع مجالات المشاركة في الحياة العامة وتقلد مختلف الخطط دون استثناء.

 

توفير الضمانات القانونية والآليات القضائية لتعقب التمييز ضد المرأة وفتح حق التقاضي في شأنه لكل المنظمات والهيئات ذات الصلة.

 

هذا ما وقعته "حركة النهضة" عندما كانت في المعارضة. كما وقعه "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتل الديمقراطي"، حليفا تلك الحركة إضافة إلى حزب العمال والحزب الديمقراطي التقدمي والتيار الوحدوي الناصري والعديد من الوجوه الديمقراطية المستقلة. وهو كلام واضح لا لبس فيه دام النقاش حوله أشهر طويلة ووقع التعرّض فيه للتاريخ والفقه والقانون والاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتجارب البلدان الأخرى وأخيرا عهد تحرير النص النهائي إلى لجنة كانت "حركة النهضة" ممثلة فيها. وليس من المبالغة في شيء القول إن هذا النص نوقش كلمة كلمة، حرفا حرفا مرات ومرات قبل المصادقة عليه وإخراجه إلى الرأي العام.

 

استبعاد مفهوم "التكامل"

 

ولا بد من ملاحظة أنه تم في النص النهائي المشترك، استبعاد مفهوم "التكامل" الذي أثير أثناء النقاش وتم توضيح ما يمكن أن ينطوي عليه من لبس في بعض الاستعمالات ممّا يفسح المجال للالتفاف على مبدأ المساواة ذاته. وهو ما يؤكد أن عودة "حركة النهضة" اليوم إلى مثل هذه المفاهيم واقتراح إدراجها في الفصل 28 من الدستور الجديد ليس أمرا بريئا ولكن المراد منه العودة إلى المضامين الرجعية التي رفضت صلب "هيئة 18 أكتوبر".

 

إن المطلع على أدبيات الحركات السياسية الدينية بمختلف تفرعاتها يلاحظ أنها كثيرا ما تتجنب الحرج الذي يحدثه لها الدفاع المباشر والواضح عن التمييز ضد المرأة وبالتالي عن امتهانها واضطهادها، في عالم أصبحت غالبيته تدين ذلك وتقاومه، باستعمال مفهوم "التكامل" للمغالطة ولإضفاء صبغة إيجابية زائفة على مواقف رجعية، قائمة على عقلية متخلفة واستبدادية ومعادية لحقوق الإنسان التي تمثل حقوق النساء جزء لا يتجزأ منها.

 

إن أبلغ مثال على ذلك هو اعتبار البعض بقاء المرأة في المنزل للعناية بشؤونها وبتربية الأطفال والسهر على راحة الزوج من باب التكامل مع دور الزوج الذي يهتم بكل ما هو خارج البيت فيشتغل ويشارك في الحياة العامة… وبعبارة أخرى فتحت غطاء "التكامل" يأتي حرمان المرأة من أبسط حقوقها في التعليم والشغل وغيرهما من الأنشطة العامة. ووفقا لهذا المفهوم أيضا تصبح العلاقة بين السيد والعبد علاقة "تكاملية"، فالعبد يعمل والسيد يطعم، ولكن ما يطمس هو أن هذه العلاقة "التكاملية" المزعومة غير متكافئة لأنها قائمة من الأساس على اللامساواة تجعل طرفا (الرجل، السيد…) مهيمنا وطرفا (المرأة، العبد…) مهيمنا عليه أي تابعا، بلا حقوق.

 

إن التكامل لا يكتسب معنى إيجابيا إلا إذا تم بين كائنين إنسانيين متساويين في الحقوق والحقوق مساواة تامة وفعلية. في هذه الحالة فقط تكون العلاقة متكافئة، وفيما عدا ذلك فإن الحديث عن التكامل يصبح خديعة لإخفاء التمييز والاضطهاد وتبريرهما.

 

ومفهوم العدل أيضا

 

إن ما قلناه عن مفهوم "التكامل" ينطبق على مفهوم "العدل" أيضا. فعندما ناقشنا صلب "هيئة أكتوبر" عدة مظاهر من التمييز بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، وتطرّقنا بالخصوص إلى مسألة اللامساواة في مجال الإرث، اعتبر البعض هذه اللامساواة من باب "العدل" وليس من باب التمييز ضد المرأة، مبررا ذلك بإنفاق الرجل على العائلة.

 

ولكن ما العمل اليوم وقد أصبحت المرأة تشارك في الإنتاج وفي تنمية ثروة المجتمع، وتنفق على العائلة، وتسهم في تكوين مكسباتها "المنزل، الأثاث، الممتلكات…" فهل من باب العدل أن تبقى العلاقة بين الجنسين في مجال الإرث، كما كانت قبل قرون وصلب علاقات اجتماعية تختلف نوعيا عن العلاقات الاجتماعية الحالية.

 

إن الطاهر حداد أجاب على هذا السؤال منذ ثلاثينات القرن العشرين، مؤكدا ضرورة تطوير التشريعات الإسلامية حتي تواكب تطور الحياة.

 

وقد اعتمد في ذلك المنهج "المقاصدي" الذي لا يتوقف عند حرفية النص بل يأخذ مقصده الذي يراه الحداد في إرساء المساواة بين البشر ومن باب أولى وأحرى بين المرأة والرجل، ومن المعلوم أن من بين من هاجم الحداد وكفره من رجال الدين في ذلك الوقت، وجوه تواطأت مع المستعمر ووقفت إلى جانبه في نهب خيرات البلاد ووفرت له غطاء دينيا في محاولاته القضاء على هوية الشعب التونسي.

 

هذا بالطبع دون ذكر المواثيق الدولية التي تضمن كلها المساواة في الحقوق بين الجنسين بقطع النظر عن الفرق في العرق أو القومية أو اللون أو الدين أو الثقافة.

 

ومن المعلوم أن الدولة التونسية كانت صادقت منذ ثمانينات القرن الماضي على الاتفاقية الدولية لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وتحفظت على بعض فصولها وقد مثل رفع هذه التحفظات مطلبا من مطالب الحركة النسائية والقوى الديمقراطية في عهد بن علي.

 

وبعد الثورة صدر مرسوم بتاريخ 24 أكتوبر 2011 يرفع تلك التحفظات (ما يتعلق بالفصول فقط وليس بالتحفظ العام على كل ما من شأنه أن يتعارض مع الفصل الأول من الدستور السابق الذي كان ساعة رفع التحفظات غير ساري المفعول).

 

إن "العدل" لا معنى له إلا إذا اتجه إلى دعم مبدأ المساواة لا إلى تبرير اللامساواة التي تبقى في كل الحالات انتهاكا لإنسانية المرأة التي وإن وجد ما يفسرها في العلاقات الاجتماعية لعصر ما.

ولعل الحالة الوحيدة التي يمكن فيها اعتبار "التمييز" من باب "العدل" هي الحالة التي يطلق عليها اسم "التمييز الإيجابي" والتي تتمثل في اتخاذ الدولة إجراءات استثنائية لفائدة النساء سواء لحمايتهن كأمهات من المخاطر التي تهدد صحتهن والتى من شأنها أن تنعكس على أطفالهن (منع العمل الليلي، منع الأعمال الخطرة، عطلة ما قبل الولادة وما بعدها…) أو لتسيير بلوغهن مواقع القرار والتسيير لمعالجة التفاوت المتراكم عبر قرون من الاضطهاد (التناصف في المؤسسات التمثيلية، الترقيات المهنية…).

 

إن مثل هذه الإجراءات لئن تضمنت تمييزا فالهدف منه صيانة كرامة المرأة وتحقيق المساواة وليس العكس.

 

وقد نصت وثيقة 18 أكتوبر على دعم هذا التوجه حين أكدت ضرورة "دعم كل المبادرات واتخاذ الإجراءات التي من شأنها تدارك التفاوت بين المرأة والرجل في مختلف المجالات".

 

المعركة لم تحسم بعد:

 

ومهما يكن من أمر فإن تراجع "حركة النهضة" عن التزاماتها ورفضها التنصيص على مبدأ المساواة بشكل واضح في الدستور الجديد لتونس، واللجوء إلى تعابير غامضة وملتبسة تفسح الباب للالتفاف على التونسيات خاصة والمجتمع التونسي عامة، هو سلوك غير مقبول أخلاقيا وسياسيا وليست حقوق المرأة هي النقطة الوحيدة التي نقضت فيها "حركة النهضة" التزاماتها سواء كان ذلك صلب "هيئة 18 أكتوبر" أو أثناء حملتها الانتخابية، وهو يعكس بشكل عام رفضها إقامة مجتمع ديمقراطي وعادل وسيرها نحو تدمير أسس الدولة المدنية الديمقراطية التي ينشدها الشعب التونسي.

 

ولكننا لا نعتقد أن نساء تونس اللواتي ساهمن على مدى أكثر من نصف قرن في النضال ضد الديكتاتورية وشاركن في إسقاطها، مستعدات اليوم للتخلي عن مكتسباتهن وعن طموحهن إلى تحقيق المساواة التامة والفعلية بينهن وبين الرجال ورهن مصيرهن بيد "حركة النهضة" لتتلاعب به وتعود بهنّ القهقرى.

 

وبالطبع فإن هذه المعركة ليست معركة النساء فحسب بل هي أيضا معركة كل الطبقات والفئات الكادحة والشعبية التي عانت ولاتزال تعاني من الظلم والقهر والاستغلال، فالتمييز ضد المرأة هو مدخل لأشكال أخرى من التمييز والاضطهاد وهو حلقة من منظومة اضطهاد كاملة.

 

إن الذي يريد ممارسة الاستبداد على نساء تونس هو نفسه الذي يريد ممارسة الاستبداد على عمالها وكادحيها في المدينة والريف وعلى مثقفيها ومبدعيها ونقابييها…

 

إن المعركة الدستورية لم تحسم بعد، فالتصويت تمّ في لجنة الحقوق والحريات فقط، ومازال التصويت النهائي على الفصل المذكور، وعلى الدستور العامة في الجلسة العامة للمجلس التأسيسي.

 

ومن هنا إلى ذلك الوقت على القوى الديمقراطية والتقدمية أن تتحرك بقوة من أجل مراجعة الفصل 28 وتعويضه بفصل يؤكد مبدأ المساواة بين الجنسين واحترام حقوق النساء ومكتسباتهن ويجرم دون لبس التمييز ضدهن كما يجرّم العنف المادي والمعنوي المسلط عليهن.

 

وكما سبق أن قلنا في مقدمة كتاب "مطارحات حول المرأة" الذي ضمناه جملة من النصوص التي أسهمنا بها في النقاشات التي دارت حول حقوق المرأة صلب "هيئة 18 أكتوبر" عام 2007 "فإن ما سيمنح للنساء من حقوق في الدستور الجديد سيكون معيارا للحكم على الطابع الديمقراطي من عدمه لهذا الدستور، وما سيطرأ على واقعهن من تغيير سيكون معيارا للحكم عما إذا كانت الثورة التونسية نجحت أم فشلت".

 

حمه الهمامي (البديل)

 

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.