17 ديسمبر.. وقد مضى عامان على الثورة التونسية؟

اندلعت الثورة التونسية منذ عامين تحديدا بإقدام الشاب محمد البوعزيزي أصيل سيدي بوزيد على إضرام النار في نفسه أمام الولاية احتجاجا على معاملة الشرطية البلدية المهينة له ومنعه من بيع الخضر على عربته الخشبية … والتهبت نيران الاحتجاج التي كانت كامنة في المجتمع التونسي لتودي بنظام بن علي وأصهاره الفاسدين في أقل من شهر…



17 ديسمبر.. وقد مضى عامان على الثورة التونسية؟

 

اندلعت الثورة التونسية منذ عامين تحديدا بإقدام الشاب محمد البوعزيزي أصيل سيدي بوزيد على إضرام النار في نفسه أمام الولاية احتجاجا على معاملة الشرطية البلدية المهينة له ومنعه من بيع الخضر على عربته الخشبية …

والتهبت نيران الاحتجاج التي كانت كامنة في المجتمع التونسي لتودي بنظام بن علي وأصهاره الفاسدين في أقل من شهر…

ماذا حققت الثورة التونسية اليوم بعد عامين من اندلاعها وهل تخطى التونسيين صعاب التحول الجارف الذي أطلقوه من عنانه؟

ليس من شك أن كتابة هذا المقال في حدّ ذاته وبالعبارات هذه ونشره في موقع إلكتروني تونسي دون التعرّض لأية ملاحقات أو أي منع هو من أولى وأهمّ ثمار الثورة التونسية التي أعادت للتونسيين حرية كلماتهم وأحاسيسهم ومواقفهم. وقد عبروا عن هذه الحرية في الآلاف من المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات التي اجتاحت البلاد من شمالها لجنوبها حد الإسفاف أحيانا وحد تجاوز المبتغى أحيانا كثيرة…

لقد قامت الثورة التونسية من أجل الحرية والكرامة والعدالة وكان للعاطلين عن العمل الذين يعدون بمئات الآلاف الدور الأول والأساسي في جعل هذه الشعارات الشعارات المركزية للثورة في بلد عاش لأكثر من 25 سنة في صمت مطبق.

وبالتالي فإن الإعلام التونسي كان من أوائل القطاعات التي تحررت من قيودها بسرعة والتحمت بنبض الشارع وتماهت معه بقوة. ولكن هذا الانتصار الإعلامي للثورة لا يجب أن يحجب عنا أن المهمة الأساسية في مثل هذه الحال والمتعلقة بتصفية الماضي ومحاسبته وتدبير تجربته في هذا القطاع لم تقع بعد مع الأسف.

وتواصلت اليوم وضعيات متعددة يستغربها أكثر من متابع في التواجد سواء في الإعلام العمومي أو الإعلام الخاص من تولي لشخصيات "متورطة" سلفا مع النظام السابق لأهم المناصب إلى تواصل لعدم فتح ملف الوكالة التونسية للاتصال الخارجي ومتابعته من قبل القضاء إلى استمرار مديري صحف يعرف الجميع تورطهم مع جهاز القمع في النظام السابق وإسهامهم في إذلال الإعلام الحر والإعلاميين النزهاء في التمتع لا بالتواجد فقط وإنما في التأثير على الساحة السياسية وعلى الرأي العام…

وفتحت الثورة الباب على مصراعيه لكل القوى السياسية سواء التي شاركت فعليا أيام الجمر في مقاومة النظام أو التي التحقت في الساعة الخامسة والعشرين. وشاهدنا إسهالا حزبيا منقطع النظير كان له الأثر السيئ على انتخابات 23 أكتوبر التأسيسية وعلى الساحة السياسية التي تشرذمت واحتدم التجاذب السياسي فيها إلى درجة غير مقبولة.

ولا شك أن السنة الثانية للثورة وخاصة منذ انتصاب المجلس التأسيسي قد شهدت إعادة توزيع للأوراق بصفة شبه كلية إلا أن الصورة السلبية التي حفظها الناس لا تزال متواصلة مما يفقد الثقة بين الرأي العام ونخبته التي تعطي كل اليوم للمتابع الأمثلة على عدم تجربتها وعدم نضجها. ويتذرع السياسيون أحيانا بنقص التجربة السياسية وصعوبة تجاوز المراحل الانتقالية بدون عناء ولكن المواطن من جهته متلهف للمضي قدما نحو الأفضل ولرؤية النتائج الأولى لما قام به من ثورة واحتجاج وهو ما لم يحسه بصفة مقنعة بعد…

ولا يزال الجانب الاقتصادي والاجتماعي يمثلان بلا شك أحسن تمثيل تعثر الثورة التونسية وتهافت النتائج السياسية التي تحققت… فالمواطن اليوم لا يملك إلا أن يقارن وضعه المادي بما كان عليه. وهذا ما يحدو بالبعض إلى التحسر بمرارة على ما مضى دون إدراك بالطبع أن شعورهم ذاك ليس سوى شعور جلدي في الواقع.

ومما لا شك فيه أن الاقتصاد الوطني قد تضرر أيما تضرر بالانفجار الكبير للمطلبية وبتعري الفساد وبالإفصاح عن الخور الكبير الذي كانت تعاني منه الإدارة ودواليب الدولة… ومما لا مجال لإنكاره أيضا تعاضد أسباب التردي الاقتصادي مع الاضطرابات التي عرفتها ليبيا الشقيقة ومع تدهور القطاع السياحي والأضرار التي ألحقتها المطلبية الاجتماعية وانسداد الأفق السياسي في قطاع المناجم وقطاع الطاقة أيضا…

وإذا أضفنا إلى كل هذا تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وغياب الرقابة الاقتصادية وتفشي التهريب وانعدام التوازن في الميزانية وتكرار أخطاء حكومة الترويكا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي مع تراكم عقود من القهر والشعور بالمهانة في عديد الجهات المحرومة ولدى العديد من الفئات المهمشة نفهم هذا الشعور الطاغي بانعدام التحسن وحتى بتقهقر العديد من القطاعات التي كانت على قدر من الصلابة المؤسساتية…

وبعد مرور عامين على اندلاع الثورة لا يزال القطاع الثقافي منعوتا بالإصبع لتواضع مساهمته في فعالياتها ولانعدام تأثيره على مجريات الأمور في البلاد بينما يفسر أكثر من ملاحظ تعثر الثورة في المجالات المذكورة بغياب الفكر الثوري (والذي لا يعني بالضرورة الراديكالية التي نعرفها تقليديا) وعدم تواصل القيادات الحزبية والقيادات الفكرية من أجل ابتداع آفاق جديدة يمكن أن تعين المجتمع على تجاوز مزالقه والانتصار على قوى الردة فيه وهي كثيرة.

وهنا تطرح مسألة طغيان التوجه الإسلامي "الوهابي" المتشدد الذي بدأ بالانتشار بشكل مخيف لأكثر من طرف فالعديد من المتابعين يعتبرون أن لغياب أية أعمال فكرية حداثية وديمقراطية صرفة الدور الأكبر في تغول "مشائخ" القنوات الفضائية التي يمولها تيار الوهابية السعودية والقطرية.

وبالرغم من التزام القوى السياسية الديمقراطية واليسارية والقومية في البلاد بالإرث الحداثي التونسي ودفاعها عن مكتسباته الدفاع المستميت فإن نذرا قوية تبدو مع الإستراتيجية التي يتبعها التيار الديني بكل أطيافه في استقطاب الشباب ابتداء من غزوه لمراحل ما قبل الدراسة وصولا إلى الجامعات والجمعيات المدنية والمجالس الخصوصية للبلديات…

ونحن نحتفل باعتزاز بهذا التاريخ التونسي المجيد لا ينبغي أن تجعلنا العثرات نشك لحظة بأن مصلحتنا ومصلحة بلادنا مع الثورة أية كانت الصعوبة وأية كانت الأزمات وأيا كان الخطر المحدق. وفي آخر الأمر لا بأس أن نذكر أنفسنا في أحلك الظروف أننا منذ أن استقلت تونس في 1956 لم ننفك نقاوم حكامنا حتى جعلناهم يفرون منا إلى التاريخ أو إلى المنافي وأن أي حاكم قادم لن يقدر على هذا النفس المقاوم…

علي العيدي بن منصور

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.