في “رحبة” المواشي بالمنيهلة، لا شيء يعلو فوق صوت النقاشات الحادة وموجات الاستياء العارم التي ارتسمت على وجوه عشرات المواطنين الذين توافدوا منذ الصباح الباكر علّهم يظفرون بأضحية تناسب قدراتهم المالية. غير أن الصدمة كانت بانتظار الجميع؛ فالأسعار قفزت هذا العام إلى مستويات قياسية، لتحول هذه الشعيرة الدينية الروحية إلى معركة استنزاف مالي حقيقية تقصم ظهر العائلات التونسية.
شهادات حية: “أسعار انتقامية وتشفي في الزوالي”
يتنقل المواطنون بين الشاحنات المصطفة والقطع المعروضة بنظرات تملؤها الحيرة والذهول. يقول العم خالد، موظف متقاعد التقيناه وسط السوق: “جئت وفي جيبي ألف دينار، كنت أظنها كافية لاقتناء خروف متوسط، لكنني تفاجأت بأن هذا المبلغ لا يشتري اليوم إلا خروفاً صغيراً. الأسعار تبدأ من 1200 دينار وتتجاوز عتبة الـ 2500 دينار، كيف لعامل يومي أن يجاري هذا الجنون؟”.
وفي زاوية أخرى من الرحبة، تجسدت المأساة الإنسانية في نبرة استياء حارقة لمواطن كان مصطحباً ابنه ذو العشر سنوات؛ حيث لم يخفِ استنكاره الشديد للوضع واصفاً الأسعار الحالية بـ “الانتقامية”. وقال بحرقة وهو ينظر إلى طفله: “البشر يتقي الله في الزوالي.. وهوما تشمتوا بينا! ماناش باش نجموا نعيدوا السنة”. وتابع مستغرباً من المفارقة بين الأحجام والأسعار: “أسوام الأضاحي الموجودة موش متاع الأحجام المعروضة.. بالمنطق هذا كيلو اللحم باش يكلفهولنا بـ 150 دينار، وحتى الجلد اللي يتطيش بعد الذبح باش يتكلف علينا بـ 150 دينار!”.
من جهتها، أطلقت مواطنة أخرى صيحة فزع مؤكدة أن القدرة الشرائية في إنعاش، وأن أضحية العيد صارت تتطلب ميزانية تفوق راتب شهرين كاملين، متسائلة إن كان لحم الأضحية قد أصبح رفاهية لا تطالها أيدي الطبقة الشغيلة.
تبريرات المهنة: “الغلاء مفروض من المولد.. والعلف حطمتنا”
على الجانب الآخر من المشهد، يقف الباعة و”القشارة” مدافعين عن أنفسهم، نافين تهمة الجشع الفردي، ومؤكدين أنهم حلقة في سلسلة غلاء بدأت من المربّي الأصلي. وفي هذا السياق، أوضح أحد “القشارة” في السوق أن الارتفاع لم يكن خياراً بأيديهم بل فُرض عليهم فرضاً، قائلاً: “الأسعار تشتعل لأن أسعار العلالش الصغار (الخرفان الحديثة) أول ما تتولد بنفسها غلات بشكل غير مسبوق في الأسواق الأسبوعية بالداخل، هذا بخلاف تكاليف تربيتها اللاحقة والارتفاع الجنوني لأسعار العلف”.
وأضاف فلاح آخر قدم من جهة سليانة: “المواطن يرى السعر النهائي ويصدم، لكنه لا يرى الفاتورة الحارقة التي دفعناها طوال العام من أدوية بيطرية ويد عاملة وشراء المياه للماشية، نحن لا نربح الكثير، بل نحاول فقط تجنب الإفلاس”.
أسباب هيكلية: الجفاف ينخر القطيع.. والتهريب يلتهم الثروة
عند تفكيك أزمة هذا الموسم، لم تعد المسألة مجرد غلاء أعلاف، بل كشف المهنيون في رحبة المنيهلة عن أسباب هيكلية وعميقة أدت إلى انخرام المنظومة كلياً؛ حيث أشار أحد “القشارة” إلى أن سنوات الجفاف المتتالية التي ضربت البلاد في الأعوام الماضية ساهمت بشكل مباشر في النقص الفادح للقطيع الوطني؛ فبسبب شح الموارد والمراعي الطبيعية ماتت أعداد كبيرة من الماشية، في حين اضطر فلاحون آخرون لبيع قطيعهم بالكامل والتفريط في الإناث لعدم قدرتهم على إعالتها.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الطبيعة، بل برز عامل النزيف الحدودي كأحد أبرز أسباب شح المعروض؛ حيث أكد الباعة أن تواصل عمليات تهريب الماشية التونسية نحو القطرين الجزائري والليبي أدى إلى إفراغ الأسواق المحلية من الخراف الحية، نظراً لامتلاك المهربين لعملة أقوى وقدرة على الشراء بأسعار لا يمكن للمواطن التونسي البسيط أو الجزار المحلي منافستها.
وبين غلاء وحركة بيع محتشمة يبقى المواطن التونسي حائراً بين رغبته في إدخال الفرحة على أطفاله وإحياء السنة النبوية، وبين واقع اقتصادي مرير يفرض عليه إعادة ترتيب أولوياته المعيشية، في انتظار تدخلات هيكلية حقيقية تعيد بناء منظومة اللحوم الحمراء قبل أن تصبح الأضحية مجرد ذكرى من الماضي.
المصدر تونس المصدر آخر الأخبار العربية والعالمية والتونسية .
