وجه الأمين العام لحزب العمال، حمة الهمامي، رسالة تضامنية وفاءً لرفيق دربه المناضل عز الدين الحزقي، كشف فيها عن تفاصيل المأساة الإنسانية والصحية المركّبة التي تعيشها عائلته، تزامناً مع استمرار إيقاف نجله الناشط السياسي جوهر بن مبارك وإبعاد شقيقته المحامية دليلة بن مبارك مصدق في المنفى.
واستعرض الهمامي في رسالته الوضع الصحي الحرج للمناضل عز الدين الحزقي، مؤكداً إصابته بمرض عُضال وقصور كلوى، إلى جانب تعرضه لنزيف في الرأس يخضع على إثره للعلاج حالياً. وأشار إلى أن هذا الوضع تسبب في عجز الوالد عن زيارة نجله المعتقل، لا سيما بعد قرار السلطات السجنية نقله من سجن “بلّي” بالوطن القبلي إلى سجن “السرس” بالكاف، وهو ما اعتبره “عقوبة إضافية وتنكيلاً ممنهجاً” بحق العائلة التي لم يتبقَ منها في تونس سوى عمة مسنّة يصعب عليها تأمين الزيارات و”القفة” بانتظام، في وقت لا يزال فيه جوهر يجهل حقيقة مرض والده.
وانتقد الهمامي صمت الإدارة العامة للسجون وتجاهلها للمطالب الرسمية التي تقدمت بها العائلة منذ أكثر من شهرين لنقل جوهر إلى سجن قريب من العاصمة مراعاةً لحالة والده الصحية. وأوضح أن هذا الإجراء يتناقض صارخاً مع الفصل 36 من الدستور الحالي الذي ينص على وجوب “مراعاة مصلحة الأسرة في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية”، معتبراً أن إبعاد المساجين السياسيين وتقسيمهم جغرافياً يمثل عودة صريحة لممارسات نظام بن علي العقابية ضد المعارضين وعائلاتهم، والتفافاً على أحد أهم مطالب ثورة 2011 المتمثل في “أنسنة السجون”.
وفي ما يلي نص الرسالة:
“”الصديق العزيز عزّالدين الحزقي الذي ظلّ واقفا، لا ينحني، منذ عرفته في شبابه في سجن برج الرومي (الناظور حاليّا)، “سجن المنسيّين”، كما كانت تُسمّيه المنظّمات الحقوقيّة، أصيب بالمرض الخبيث وبقصور كلوى ونزيف في الرأس وهو بصدد العلاج… هذا ما كتبْته أخيرا ابنته دليلة، الأستاذة المحامية، من منفاها في الخارج بعد أن أصبحت تلاحقها عديد القضايا جرّاء المرسوم 54 سيّء الصّيت بسبب تصريحات إعلامية لها علاقة بممارسة مهنتها… وهكذا لم يعُدْ بإمكان عزّالدين زيارة ابنه جوهر المعتقل السياسي، خاصّة بعد أن نُقل من سجن بلّي بالوطن القبلي إلى سجن السرس بولاية الكاف… لم تبق من العائلة، حسب دليلة، سوى عمّة مُسِنّة، يصعب عليها التنقّل بانتظام لتأمين حدّ أدنى من الزيارات والقفّة لجوهر الذي لم يعلم إلى حدّ الساعة بمرض والده… وتُفيد دليلة بأنّ العائلة طلبت من الإدارة العامّة للسجون منذ أكثر من شهرين نقله إلى سجن قريب من العاصمة مراعاة لحالة والده الصحيّة ثمّ أعادت الطلب هذه الأيّام لكن ما من مجيب.
لا يمكنني إلّا أن أعبّر من عمق أعماقي عن تمنّياتي الصادقة بالشفاء للعزيز عزّالدين الذي جمعتني به أيّام وأيّام في سجن برج الرومي لن تمّحي من الذاكرة… أيّام كلّها نضال وتحدٍّ لآلة الدكتاتوريّة التي فرضنا عليها، بعد تضحيات جسيمة، معاملتنا كمساجين سياسيّين… أيّام طغت عليها المحبّة والتضامن الرفاقيّان رغم كلّ الاختلافات والخلافات الفكرية والسياسيّة الموجودة بيننا والتي لم تؤّثّر في موقفنا من/ وفي علاقتنا بـ/ “الحاكم” المستبدّ الذي زجّ بنا جميعا في السجن… ومن جملة النوادر التي ظللنا، عزّالدين وأنا، نردّدها كلّما التقينا، اتفاقنا “الجازم والحازم”، على أنّ سِنِيَّ السجن والسريّة لا ينبغي أن تُحتسب في أعمارنا الحقيقيّة… فمضامين ولادتنا، حسب عزّ الدين، ينبغي أن تُراجع لتُحذف منها سنيّ السجن والسرية… كان عزّالدين يؤكّد: بأيّ حقّ تحتسب تلك السنوات في أعمارنا الحقيقيّة ونحن عشناها خلف القضبان؟… ومازلت أذكر أيضا كيف تجاسر عزّالدين على الترشّح للرئاسة سنة 1989 في وقت كانت فيه غالبيّة القوى السياسيّة (الليبرالية والدينيّة) تؤيّد ترشّح “صانع التحوّل المبارك” الذي لم يكن مباركا لا على الشعب التونسي ولا على الحريات والحقوق ولا حتّى على من ساندوه. رافقنا وقتها عزّالدين إلى قصر باردو ليُودع ترشّحه ونحن ندرك مسبقا أنّ مصيره سيكون الرفض، وهو ما حصل فعلا. لكنّ هدفنا كان فضح الطابع الديماغوجي للشعارات الديمقراطية التي رفعها بن علي والذي كان في النهاية المرشّح الوحيد لمهزلة انتخابية معلومة النتائج مسبقا.
نعود إلى جوهر. لا يكفي أنّه تعرّض ورفاقه في قضية “التآمر” إلى مظلمة ستُذكر على مرّ السنوات كمثال صارخ للعسف، فإنّه لم يُسمح له بأن يقضّي على الأقلّ “ربطيتو” في “سلام” بأن يكون في السجن الأقرب إلى عائلته حتّى لا تكون هي نفسها عرضة لـ”عقوبة من نوع خاص” : “التمرديد في جرّة” أحد أفراد العائلة المعتقل ظلما. إنّ دستور قيس سعيّد نفسه ينصّ في فصله الـ36 على ما يلي : « لكلّ سجين الحقّ في معاملة إنسانيّة تحفظ كرامته. تراعي الدولة في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية مصلحة الأسرة… » ومن البديهي أن يكون من عوامل مراعاة “مصلحة الأسرة” تقريب ابنها السجين منها. ولكن بين النصّ والواقع هوّة تفصلهما عن بعضهما في هذا العهد “السعيد”. وليس هذا بالأمر الجديد بل هو عودة إلى ممارسات سابقة. كان المساجين السياسيّون في عهد بورقيبة يوضعون في غرف خاصة بهم في سجون محدّدة (سجن برج الرومي سابقا، سجن الناظور حاليّا) يستقرّون فيها لمدّة سنوات. ثمّ تغيّرت الوضعيّة مع بن علي إذ أصبح إبعاد السجين السياسيّ عن عائلته، أوّلا، ونقله من سجن إلى آخر بشكل دوريّ، ثانيا، جزءا لا يتجزّأ من عقوبة إضافيّة تسلّط عليه وعلى عائلته. وقد كان أحد مطالب الثورة (2010-2011) ليس فقط وضع حدّ للمحاكمات السياسيّة وإنّما أيضا أنسنة مراكز الإيقاف والسجون وفي الحدّ الأدنى احترام ما ورد في قانون السجون والمعاهدات الدوليّة لحقوق الإنسان التي وقّعت عليها الدولة التونسيّة.
لكن تجري رياح الثورة المضادّة بما لا يقتضيه التقدّم ببلادنا ومجتمعنا. وكالعادة فإنّ الضحية الأولى لعسف الثورة المضادّة يبقى دائما السجين السياسي الذي يعاقب مرّتين، الأولى بسلبه حريته والثانية بعدم تمتيعه بظروف اعتقال تراعي، فيما تراعي، مصلحة عائلته. وهكذا فقد كُتب علينا كما كُتب على الذين من قبلنا ألّا نركع للظلم والاستبداد العائد بقوّة وأن نستمرّ في النضال حتّى إرساء جمهوريّة ديمقراطية بحق تشكّل الإطار السياسي الذي ينعم فيه الشعب بحريته وحقوقه وتكون له فيها السيادة على الدولة كما تكون له فيها السيادة على ثروات البلاد، عساه يبني الاقتصاد الذي يلبّي حاجاته الأساسية المادية والمعنويّة ويمكّنه من تحقيق كرامته… وحتّى نقرّب ساعة الخلاص، علينا النضال بلا هوادة ضد كل الانتهاكات وضد كلّ المظالم وضدّ جميع سياسات تفقير الشعب وتجويعه وضد كافة مظاهر التفريط في السيادة…
الشفاء العاجل وموفور الصحّة للعزيز عزّالدين الحزقي
الحرية لجوهر وكافّة معتقلي الرأي
وليسقط الاستبداد
ولا بدّ للقيد أن ينكسرْ””
المصدر تونس المصدر آخر الأخبار العربية والعالمية والتونسية .
