احذروا المبيدات/ماهي “الشيرونوميد”؟..وما حقيقة “الناموس الخداع” المنتشر في بنزرت..

أثيرت ضجة كبيرة خلال الأيام القليلة الماضية، بعد تداول أنباءً متواترة غلفها الخوف والتحذير حول ما رُوج له على أنه “غزو كاسح لأسراب من الناموس” الناقل للأمراض، وذلك إثر الانتشار اللافت والمكثف لـغيمات من الحشرات الطائرة التي اجتاحت الفضاءات العامة والمناطق السكنية وتجمعت بكثافة مرعبة على الواجهات المضيئة للمنازل والمحلات التجارية بولاية بنزرت.

ورغم المقارنة البصرية الفورية مع حشرة الناموس التقليدية نتيجة التشابه المطلق في الشكل الخارجي، إلا أن الفحص البيولوجي أثبت عدم صحة ما راج، مؤكداً أن الأمر يتعلق بحشرة الـ”Chironomidae” (شيرونوميد)؛ وهي تشبه الناموس ولكنها فصيلة تختلف جذرياً في سلوكها البيولوجي عنه، كما انها لا تشكل أي خطر على الصحة العامة رغم حالة الإزعاج الشديد التي خلفتها تجمعاتها المليونية المحيّرة.

ما هي حشرة “الشيرونوميد”؟

تنتمي حشرة الشيرونوميد إلى فصيلة الذباب غير العاض، وهي تقدم واحدة من أكبر الخدع البصرية في عالم الحشرات حيث تمتلك جسماً نحيفاً، وأجنحة شفافة، وأرجلاً طويلة تجعلها نسخة طبق الأصل من البعوض (الناموس) التقليدي أثناء الطيران وعلى عكس الناموس، لا تمتلك الشيرونوميد أجزاء فم ثاقبة أو ماصة للدماء. هي لا تملك “خرطوماً” للقرص، وبالتالي فهي لا تلسع الإنسان ولا تمص دماء الحيوانات.

لماذا تتجمع بكثرة وبشكل مزعج؟

إن العيب الوحيد لحشرة الشيرونوميد هو “سلوكها الاجتماعي الصاخب”. تخرج هذه الحشرات في وقت واحد (غالباً عند الغروب والفجر) وتنجذب بشدة إلى:

مصادر الضوء الساطع: الأنوار البيضاء والصفراء على واجهات المنازل والمحلات.

الأماكن الرطبة: القريبة من الشواطئ، البحيرات، أو قنوات تصريف المياه.

حقيقة علمية: التجمع الهائل للحشرة يسمى “أسراب التزاوج” (Mating Swarms)، حيث يطير الذكور في مجموعات كبيرة لجذب الإناث.

الأهمية البيئية: حارس التوازن الطبيعي

رغم مظهرها المزعج، يؤكد علماء البيئة أن حشرة الشيرونوميد كائن حيوي ومفيد جداً للطبيعة لسببين رئيسيين:

تنظيف المياه: يرقاتها في المياه تعمل كـ “فلتر طبيعي” لتنظيف قاع البحيرات والأودية من الفضلات العضوية والمنظفات.

سلسلة الغذاء: تمثل الوجبة المفضلة والرئيسية للعديد من الكائنات مثل الطيور، الخفافيش، الضفادع، والأسماك. غيابها يعني مجاعة حقيقية لهذه الحيوانات واختلال التوازن البيئي.

كيف تتعامل معها دون الإضرار بالبيئة؟

بما أنها حشرة غير ناقلة للأمراض وغير مضرة، ينصح الخبراء بـتجنب الاستخدام المفرط للمبيدات الكيميائية التي تضر بصحة الإنسان والبيئة، واستبدالها بحلول وقائية بسيطة:

ستائر الحماية (الناموسية): إغلاق النوافذ بشباك ضيقة تمنع تسللها للمنازل.

الإضاءة الذكية: استبدال الإضاءة البيضاء الخارجية بمصابيح LED صفراء دافئة، حيث أثبتت الدراسات أن هذا اللون لا يجذب الحشرات الطائرة.

تقليل الرطوبة: تجنب ترك مياه راكدة في أواني الزهور أو حدائق المنازل.

ويذكر أن السلط المعنية بولاية بنزرت قد قامت بجملة من التدخلات الميدانية من قبل مصالح الولاية والمعتمديات والبلديات والهياكل الفنية المختصة، من خلال تنفيذ حملات واسعة للتضبيب الحراري باستعمال شاحنات مجهزة خصيصا لهذا الغرض، شملت مختلف الأحياء والمناطق التابعة لمعتمديات تينجة ومنزل بورقيبة وماطر.

وأكدت الجهات المشرفة على هذه العمليات، أن مادة التضبيب المستعملة تخضع للمعايير الفنية المعمول بها، وأن التدخلات المبرمجة لا تكتسي أي خطورة على صحة المواطنين، باعتبارها موجهة أساسا للقضاء على الحشرات الطائرة والحد من انتشارها، مع الحرص على مراعاة الخصوصيات البيئية للمنطقة.

كما تم اتخاذ جملة من الإجراءات الفنية واللوجستية المكملة، بهدف دعم نجاعة التدخلات الميدانية ومواصلة مراقبة تطور الوضع خلال الأيام المقبلة، خاصة في المناطق القريبة من الأراضي الرطبة والمسطحات المائية.

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.