الدورة 60 لمهرجان قرطاج الدولي: عرض “فولكلور العالم” حين يكون الفولكلور مرآة لهوية الشعوب وخصوصياتها الثقافية

يمثل الفولكلور جزءا لا يتجزأ من هوية الشعوب، إذ يختزل في تفاصيله التي تجمع الموسيقى والرقصات والإيقاعات والأزياء، ملامح من ذاكرتها الجماعية وخصوصياتها الثقافية، التي يتم تناقلها بين الأجيال المتعاقبة بما يتيح لكل جيل سبيل التعرف على جانب من تاريخه وتمكنه من الحفاظ على ملامح خصوصياته الثقافية في عالم منفتح تتفاعل فيه الثقافات وتتأثر ببعضها البعض..

في هذا السياق، وسعيا للتعريف بجزء من هويات الشعوب وثقافاتها من خلال هذه الفن، احتضن المسرح الأثري بقرطاج مساء الأربعاء سهرة “فولكلور من العالم”، التي جمعت فرقا فنية من تونس وليبيا والجزائر والمغرب ومصر والصين والجبل الأسود واليابان ومالطا والهند ، قدمت 12 فقرة فولكلورية قصيرة، عكست كل منها جانبا من الخصوصيات الثقافية لبلدها، أمام جمهور ضم أفرادا من جاليات عدد من هذه الدول.

وواكبت السهرة وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي إلى جانب ممثلي عدد من البعثات الدبلوماسية المعتمدة في تونس، في لقاء أتاح للجمهور فرصة التعرف على جوانب من الثقافات الشعبية لبلدان مختلفة قد لا يتسنى للجمهور التونسي التعرف على خصوصياتها في سياقات أخرى.

على وقع الموسيقى والايقاعات المتنوعة، تعاقبت الفرق على اعتلاء الركح مقدمة لوحات جمعت الفرجة والموسيقى والرقص، واختلفت المجموعات الراقصة في حركاتها وأزيائها وألوانها بما يعكس تنوع البيئات الثقافية التي انحدرت منها.

وانطلقت هذه السهرة بالعرض الصيني الذي قدمه “باليه أوبرا بيكين”، واستأثر بنصيب الأسد من التوقيت مقارنة ببقية البلدان حيث تواصل على مدى ثلاثين دقيقة، راوحت خلالها الفرقة بين الرقص والتمثيل والعزف والإيقاعات الصينية في مشهد غلبت عليه الألوان النارية لتضفي على المسرح حماسا وجد طريقه إلى قلوب أفراد الجالية الصينية الذين زينوا بأعلام بلدهم مدارج مسرح قرطاج الأثري.

وتميزت السهرة بحضور راقصين من أجيال مختلفة، مع طغيان واضح لفئة الشباب، في مشهد أبرز امتداد الفن الشعبي بين الأجيال، وحضور جيل جديد يحمل مشعل موروث ثقافي تشكلت ملامحه منذ عقود وتواصل عبر التوارث من جيل لآخر ليجد من خلال هذه السهرة وغيرها من السهرات التي تحتفي بالخصوصيات الثقافية للشعوب طريقه إلى الجمهور العريض، في صورة عكست تواصل الفن الشعبي عبر الأجيال وقدرته على الاحتفاظ بمكانته داخل المشهد الثقافي المعاصر

.وحضر الفولكلور التونسي من خلال ثلاث لوحات قدمتها الفرقة الوطنية للفنون الشعبية، واعتمدت فيها على طاقات شبابية مستأنسة بعناصر من التراث الثقافي غير المادي لتقديم نماذج من الموسيقى والرقص الشعبي التونسي.

وقدمت الفرقة لوحة أولى راوحت من خلالها بين الغناء والرقص الشعبي النسائي ب”المحارم” (مصطلح محلي يعني الأوشحة)، وفي محاولة للتعريف بمختلف تفاصيل الفولكلور التونسي لبست الراقصات لباسا تقليديا تونسيا تلبسه العديد من التونسيات في الأعراس خاصة في بعض المناطق الداخلية وهو “الحرام”.

أما اللوحة التونسية الثانية فحملت عنوان “الربوخ” وجمعت عددا من الراقصين والراقصات في مشهد يحاكي الأعراس التونسية والرقصات والأغاني التي تميزها وقد لبس الراقصون “الدنقري” و تلحفوا الكوفية في مشهد عاد بالحاضرين إلى فترة بروز أغاني المزود في الأحياء الشعبية ومختلف التفاصيل الثقافية التي رافقتها. واختتمت الفرقة مشاركتها بلوحة ثالثة واصلت من خلالها تقديم عناصر من الفولكلور التونسي، ليشكل العرض في محطاته الثلاث صورة عن تنوع الموروث الشعبي المحلي، حملها جيل من الراقصين الشبان.

ومن جهتها، قدمت الفرق الأجنبية نماذج من الفنون الشعبية من بلدانها، فتوالت العروض من الصين والجبل الأسود واليابان ومصر ومالطا والهند وليبيا والجزائر والمغرب، في فسيفساء من الرقصات والإيقاعات والأزياء التي حملت ملامح البيئة الثقافية التي نشأت فيها.

هذه السهرة التي تنتظم ضمن فعاليات الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي، هي النسخة الثانية من عرض فولكلور من العالم الذي انطلق القائمون على المهرجان في تنظيمه خلال الدورة الفارطة بمشاركة فرق للفنون الشعبية من عدد من البلدان من إفريقيا جنوب الصحراء وغيرها من البلدان التي يحضر بعضها للدورة الثانية على التوالي على غرار مصر وليبيا والجزائر والهند.وهو اختيار يندرج ضمن التعريف بثقافات العالم ويجسد انفتاح تونس على مختلف الحضارات والثقافات والفنون.

اترك تعليقاً

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.